مسؤولية شركة الطرق السيارة عن حوادث اصطدام المركبات بالكلاب الضالة: قراءة في قرار محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش عدد 530
تشكل حوادث السير الناتجة عن ولوج الحيوانات الضالة إلى الطريق السيار من بين الإشكالات القانونية التي تثير نقاشاً متجدداً حول حدود مسؤولية الجهات المكلفة بتدبير واستغلال الطرق السيارة. وتزداد أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى الخسائر المادية والجسدية التي قد تنتج عن مثل هذه الحوادث، خاصة عندما تقع بشكل مفاجئ ودون قدرة السائق على تفاديها.
وفي هذا السياق، أصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش قراراً مهماً بتاريخ 20 فبراير 2025 تحت عدد 530، كرست من خلاله مجموعة من المبادئ القانونية المتعلقة بمسؤولية مستغل الطريق السيار عن الأضرار الناتجة عن ولوج الحيوانات الضالة إلى هذا المرفق العمومي.
وقائع القضية

تعود وقائع النازلة إلى تاريخ 03 أبريل 2022 عندما كان أحد مستعملي الطريق السيار يسير بمركبته على المقطع الرابط بين مراكش وأكادير. وأثناء السير فوجئ بخروج كلب ضال إلى الطريق السيار بشكل مفاجئ، مما أدى إلى اصطدام السيارة به رغم محاولات السائق تفادي الحادث.
وقد خلف الاصطدام أضراراً مادية مهمة بالمركبة، الأمر الذي دفع المتضرر إلى اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض عن الخسائر التي لحقت به.
وبعد مباشرة الإجراءات القانونية، تم إنجاز محضر من طرف الدرك الملكي يوثق ظروف الحادث، كما تم إجراء خبرة تقنية لتحديد حجم الأضرار اللاحقة بالسيارة وتقدير تكلفة إصلاحها.
الحكم الابتدائي
بعد دراسة الملف والاطلاع على الوثائق المدلى بها، أصدرت المحكمة الإدارية بمراكش حكماً يقضي بالحكم لفائدة المتضرر بتعويض قدره 19.000 درهم، مع تحميل الجهة المدعى عليها الصائر وفق النسبة المحكوم بها.
واعتبرت المحكمة أن عناصر المسؤولية متوفرة في النازلة، وأن الضرر ثابت بموجب الوثائق والمعاينات والخبرة المنجزة.
أسباب الاستئناف
لم ترتض الشركة المكلفة باستغلال الطريق السيار بالحكم الابتدائي، فتقدمت باستئناف أمام محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، مستندة إلى مجموعة من الدفوع القانونية.
ومن بين أهم ما تمسكت به الجهة المستأنفة أن المحكمة الابتدائية اعتمدت على وسائل إثبات غير كافية للقول بقيام مسؤوليتها، وأن الصور المرفقة ومحضر المعاينة لا يشكلان دليلاً كافياً لإثبات الخطأ المنسوب إليها.
كما دفعت بأن الطريق السيار يخضع لمقتضيات قانونية خاصة، وأن مسؤولية المستغل لا يمكن أن تقوم بشكل تلقائي بمجرد وقوع حادثة سير.
وأثارت كذلك ملاحظات تتعلق بتقرير الخبرة المنجز خلال المرحلة الابتدائية، معتبرة أن الاعتماد عليه لم يكن سليماً بالقدر الكافي للحكم بالتعويض.
موقف محكمة الاستئناف الإدارية
بعد دراسة الملف والاطلاع على مختلف الوثائق والمعطيات، اعتبرت محكمة الاستئناف الإدارية أن الاستئناف مقبول من الناحية الشكلية.
أما من حيث الموضوع، فقد أكدت المحكمة أن الجهة المكلفة بتدبير واستغلال الطريق السيار تتحمل التزاماً قانونياً بضمان سلامة مستعملي هذا المرفق، واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لمنع المخاطر التي يمكن توقعها.
وأوضحت المحكمة أن من بين هذه الالتزامات اتخاذ التدابير الضرورية لمنع ولوج الحيوانات إلى الطريق السيار، باعتبار أن وجودها يشكل خطراً حقيقياً على سلامة الأشخاص والمركبات.
كما اعتبرت المحكمة أن محضر الدرك الملكي يشكل وسيلة إثبات ذات قيمة قانونية مهمة، خاصة وأنه يثبت أن الحادث وقع نتيجة اصطدام السيارة بكلب ضال داخل الطريق السيار.
وأكدت المحكمة أن الجهة المستأنفة لم تقدم ما يثبت اتخاذها لجميع التدابير الوقائية اللازمة لمنع وقوع مثل هذه الحوادث.
أهمية القرار
تكمن أهمية هذا القرار في كونه يعزز التوجه القضائي القاضي بتحميل مستغل الطريق السيار مسؤولية الأضرار الناتجة عن الإخلال بواجب الصيانة والمراقبة واتخاذ الاحتياطات الضرورية لضمان سلامة المرتفقين.
كما يبرز القرار أن مسؤولية الجهة المستغلة لا تقتصر على إنشاء وصيانة البنية التحتية فقط، بل تمتد إلى حماية مستعملي الطريق من المخاطر المتوقعة، بما في ذلك خطر ولوج الحيوانات الضالة.
ويؤكد هذا التوجه القضائي أن حصول المتضرر على التعويض يظل رهيناً بإثبات العلاقة السببية بين الضرر والحادث، مع تقديم وسائل الإثبات المقبولة قانوناً مثل محاضر المعاينة والصور والخبرة التقنية.
خلاصة
يعد قرار محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش عدد 530 الصادر بتاريخ 20 فبراير 2025 من القرارات المهمة في مجال المسؤولية الإدارية وحوادث السير. فقد أكد أن ولوج الحيوانات الضالة إلى الطريق السيار يمكن أن يرتب مسؤولية الجهة المكلفة باستغلاله متى ثبت عدم اتخاذ الاحتياطات الكافية لمنع وقوع الخطر.
ويشكل هذا القرار إضافة مهمة للاجتهاد القضائي المغربي في مجال حماية مستعملي الطرق السيارة وضمان حقهم في التعويض عن الأضرار الناتجة عن التقصير في تدبير المرافق العمومية.
